هوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)

20/01/2017

مع تسارع الأحداث داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وخارجه، فإن التركيز ينصب على النقاط التالية: "ما الذي يقدمه الناتو؟" أو: "إلى أين يتجه الناتو؟". إلا أنني لدي الجرأة لطرح سؤال أكثر أهمية: "ما هو الناتو؟" إن هويتنا أكثر وضوحًا واستدامةً مما نقوم به أو نستعد له أو نفكر فيه أو نتحدث عنه.

تم توقيع معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي في واشنطن عام 1949، عقب الحرب العالمية الثانية. وكان الغرض من الحلف هو حفظ السلام في أوروبا، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء وحماية حريتها - بحيث يتم كل هذا في سياق مواجهة التهديد الذي كان يُشكله الاتحاد السوفيتي آنذاك. حقوق الطبع والنشر © لحلف الناتو

لنفكر قليلاً في هذا السؤال المتعلق بهوية الناتو.

أولاً، عند إنشاء الناتو، تم ذلك لمواجهة وردع أي تهديد واضح وصريح وقائم. أثناء الحرب الباردة، أجرى الناتو عددًا من عمليات التخطيط والمناورات العسكرية الضخمة ووضع نظامًا قويًا له عقيدة وأنماط عمل متبادل. تعتمد هذه الأنشطة بشكل كبير على القوة البشرية، وبالفعل، كان هذا هدفًا في حد ذاته: أن يعمل هؤلاء الأشخاص معًا. وأصبح هيكل قيادة الناتو يمثل مدرسة الناتو، وهي الهيئة التي تناوب عليها وتخرج منها آلاف الضباط، وضباط الصف والمدنيين بمنظور جديد متعدد الجنسيات، "أسلوب الناتو الخاص".

بعد اختفاء هذا التهديد، حيث تم حل حلف وارسو والاتحاد السوفيتي، ثم دخلت روسيا في علاقة أكثر إيجابية مع الناتو، ظل الحلف قائمًا. فالأمر الذي أثار دهشة العديد وفزع البعض، هو قرار الحلف البقاء معًا، دون أي سبب آخر سوى الشعور بإحساس الأسرة الواحدة. وبعد أن بدأ الحلف بهدف المواجهة، أصبح الناتو حلفًا للتعاون. فنحن لا نحتاج إلى تهديد لكي نبقى معًا، فنحن كالأسرة لا نحتاج إلى أسباب أخرى للاستمرار والازدهار.

في بداية التسعينات، بعد انتهاء الحرب الباردة، بسط الحلف يد الصداقة للدول غير الأعضاء - بما في ذلك الخصوم السابقين في الحرب الباردة مثل روسيا ودول "الكتلة الشرقية" السابقة. والآن، يعمل حلف الناتو مع أكثر من 40 دولة شريكة. حقوق الطبع والنشر © لحلف الناتو

تمثلت الفكرة المحركة آنذاك في الشراكة من أجل السلام، والسعي لإقامة صداقات مع أعداء الأمس. حقق هذا الأمر نجاحًا لدرجة أن 12 دولة من الثمانية وعشرين دولة الأعضاء حاليًا (وقريبًا 13 دولة مع انضمام الجبل الأسود) بدأت رحلتها كشركاء. حاليًا، لا توجد عملية يمكن أن يتخذ فيها الناتو قرارًا في غياب الشركاء، لأسباب سياسية وأخلاقية أكثر من كونها أسبابًا تتعلق بالعمليات.

الناتو يمثل أسرة ناجحة. يريد بعض جيران الحلف الانضمام إليه، ويريد آخرون مجرد المشاركة، من وقت لآخر، وهذا أمر جيد. كل شريك يقرر وفقًا لشروطه. ومهما كانت درجة قرب الشركاء من الحلف، فقد أصبحوا جزءًا مهمًا وأساسيًا من هذه المنظمة، التي تعتبر التشارك مع الشركاء أمرًا أكبر بكثير من مجرد الكفاءة: فهو قدر محتوم.

ماذا عن العمليات؟ حسنًا، بدأت العمليات في عام 1993، بعد 42 عامًا كاملة من إنشاء هيكل قيادة الناتو. وطالما أنه لا توجد رغبة في استمرار أي عملية، فهناك تطلع إلى أنه في يومٍ ما لن يقوم الناتو بأي عمليات. لكن لا يرى أحد أن هذا اليوم سيؤدي إلى تفكك الناتو.

بفضل سنوات من التخطيط المشترك، والمناورات العسكرية وعمليات الانتشار، يعمل معًا جنود من دول مختلفة تابعة لحلف الناتو بشكل جيد عندما تدعو الحاجة لذلك.

حقوق الطبع والنشر © لحلف الناتو

بمعنى آخر، على الرغم من أن هذا قد يبدو أمرًا مخالفًا للطبيعة من منظور الروح القتالية للمنظمة - فإن العمليات لا تمثل جزءًا من البنية الأساسية للناتو. فالعمليات شيء إضافي، وهي مهمة للغاية حيث إنها تعد مؤشرًا على قيمة الناتو وبسالته، لكنها ليست السبب الأساسي لتكوين الحلف. تمامًا مثلما نما حلف الناتو وازدهر من قبل، بدون عمليات، فسيزدهر الحلف أيضًا بعد عصر العمليات - إذا جاء هذا اليوم، بالطبع.

لذلك، فإن هوية الناتو متداخلة في التخطيط، والمناورات العسكرية، ووضع التصورات (جميع الأعمال المفاهيمية التي تشكل العقيدة، والعمل المتبادل، وتطوير القدرات) والشراكة. العمليات هي أمور إضافية فوق كل ذلك، فهي المعيار والمقياس المطلق للفعالية والشرعية. لكنها لا تمثل جزءًا من الكود الجيني الأساسي للحلف. فحتى إذا توقفنا عن القيام بعمليات، فمن المرجح أن تظل دولنا معًا - كحلفاء، مستعدين، متقاربين، أصدقاء، وليسوا بالضرورة في حالة قتال!

حتى مع ظهور بيئات أكثر عدائية، فإنني أتمنى أن يظل الحلف محافظًا على طبيعته الأساسية: حلفًا للتعاون، وليس للمواجهة.

لمحة عن الكاتب

عمل الفريق مايكل ياكوفليف سبع سنوات ضمن هيكل قيادة حلف الناتو، في البداية كان ذلك في المقر الرئيسي لحلف الناتو بوصفه ممثلاً عن القيادة العليا للحلف، ثم قائدًا للقوات المشتركة في برونسوم كنائب رئيس أركان ثم رئيس أركان، ومؤخرًا تقلد منصب نائب رئيس أركان قوات التحالف (حتى نوفمبر 2016). وهو مؤلف Tactique théorique (الطبعة الأولى عام 2006)، وهي نظرية التكتيكات التي أصبحت ذات تأثير كبير في العسكرية الفرنسية.